فصل: سورة هود

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ‏(‏32‏)‏ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فذلكم الله رَبُّكُمُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يقول‏:‏ فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي‏:‏ المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازاً ووضوحاً، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ؛ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها‏:‏ ‏{‏لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فأنى تُصْرَفُونَ‏}‏‏:‏ تقرير؛ كما قال‏:‏ ‏{‏فَأيْنَ تَذْهَبُونَ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 26‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏كذلك حَقَّتْ‏}‏ أي‏:‏ كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وانصراف هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، ‏{‏كذلك حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو وغيره‏:‏ «كَلِمَةُ»؛ على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع؛ كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى ب «كَلِمَة»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏34‏)‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏35‏)‏ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ، و‏{‏تُؤْفَكُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ؛ إِذا لم يُصِبْها مَطَرٌ، فهي بمعنى الخَيْبَةِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الحق‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يهدى‏}‏‏:‏ فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم‏:‏ هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو‏:‏ «يَهْدِّي»- بسكون الهاء، وتشديد الدَّال-، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر‏:‏ يَهَدِّي- بفتح الياء والهاء، وتشديد الدَّال- وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «يَهْدِي»- بفتح الياءِ، وسكون الهاء- ومعنى هذه القراءة‏:‏ «أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحداً إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء‏:‏ ‏{‏فَمَا لَكُمْ‏}‏، ثم يبدأ‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبُعْدَهُ عن الحقِّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 40‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏37‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏38‏)‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ‏(‏39‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏‏:‏ هذا ردٌّ لقول من يقول‏:‏ إِنَّ محمداً يَفْتَرِي القرآن، و‏{‏الذي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏‏:‏ التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بَلَدِهِ، ولا في قومه، و‏{‏وَتَفْصِيلَ الكتاب‏}‏ هو تبيينه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افتراه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام، في قوله‏:‏ أزيْدٌ قام أمْ عمرو‏؟‏ ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ‏:‏ أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ‏:‏

إِحْداهما‏:‏ النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف‏.‏

والأُخرَى‏:‏ المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ‏.‏

وحين تحدَّاهم ب «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال * ع *‏:‏ هذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ‏.‏

* ت *‏:‏ والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وانظر «الشِّفَا»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَنِ استطعتم‏}‏‏:‏ إِحالةٌ على شركائهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، ‏{‏بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏}‏، أي‏:‏ تفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي‏:‏ ما يؤول إليه أمره؛ كما هو في قوله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 53‏]‏ وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيداً، و‏{‏الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏‏:‏ مَنْ سلف من أمم الأنبياء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أيْ‏:‏ ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان‏:‏

قالتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبداً‏.‏

وقالتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفْظاً لرئاسته، أو خوفاً مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وفائدة الآية على هذا التأويل‏:‏ التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ نفوسهم، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين‏}‏ تهديدٌ ووعيدٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 45‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏41‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏42‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏43‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏44‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ‏}‏ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد‏:‏ هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخرها‏:‏ حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل‏:‏ إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأَنْفُسِهم‏.‏

* ت *‏:‏ والأول أبْيَنُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 47‏]‏

‏{‏وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ‏(‏46‏)‏ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «إما» شرطٌ، وجوابه‏:‏ ‏{‏فَإِلَيْنَا‏}‏، والرؤية في ‏{‏نُرِيَنَّكَ‏}‏ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية‏:‏ الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي‏:‏ إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ«ثُمَّ» لترتيب الأَخبار لا لترتيب القصص في أنفسها، و«إِما» هي «إِنْ»، زيدَتْ عليها «ما»، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز‏.‏

* ص *‏:‏ واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط‏}‏‏:‏ قال مجاهد وغيره‏:‏ المعنَى‏:‏ فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاءُ بينهم بالقسْطِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 53‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏48‏)‏ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏49‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏50‏)‏ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏51‏)‏ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏52‏)‏ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين * قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ الله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الضميرُ في ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي‏:‏ هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته؛ لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نبيَّه أنْ يقول على جهة الردِّ عليهم‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ الله‏}‏، ولكن ‏{‏لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏}‏ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون‏}‏‏:‏ أي‏:‏ فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ‏}‏ المعنى‏:‏ إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ‏:‏ الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، ‏{‏وَيَسْتَنْبِئُونَكَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ؛ أَحدُهما‏:‏ الكافُ، والآخرُ‏:‏ الجملة، وقيل‏:‏ هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ؛ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ‏.‏

* ص *‏:‏ ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏أَحَقٌّ هُوَ‏}‏ قيل‏:‏ الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل‏:‏ إِلى الوعيدِ؛ وهو أَظْهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِي وَرَبِّي‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بمعنى «نَعَمْ»، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها حَرْفُ القسم، وقد لا يجيء؛ تقُولُ‏:‏ إِي ورَبِّي، وإِي رَبِّي، و‏{‏مُعْجِزِينَ‏}‏‏:‏ معناه مفلتين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 56‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏54‏)‏ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏55‏)‏ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ الندامة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، و‏{‏أَسَرُّواْ‏}‏‏:‏ لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا»، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا»، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ‏.‏

* ص *‏:‏ قال أبو البقاء‏:‏ وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السموات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، «أَلاَ» استفتاح وتنبيهٌ، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 59‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏57‏)‏ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏58‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، وال ‏{‏مَّوْعِظَةٌ‏}‏‏:‏ القرآن؛ لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز»، وقوله‏:‏ ‏{‏مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ يريد‏:‏ لم يختلقْها محمَّد ولا غيره، و‏{‏مَا فِي الصدور‏}‏‏:‏ يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ‏}‏، قال ابن عباس وغيره‏:‏ الفضل‏:‏ الإِسلام، والرحمة‏:‏ القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ‏:‏ الفَضْل‏:‏ القرآن، والرحمة‏:‏ أن جعلهم مِنْ أهله‏.‏

وقال زيْدُ بن أسلم والضَّحَّاك‏:‏ الفَضْل‏:‏ القرآن، والرحمة‏:‏ الإِسلام‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ‏:‏ هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى الآية‏:‏ قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس‏:‏ بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل‏:‏ كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله‏:‏ ‏{‏لَفَرِحٌ فَخُورٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 10‏]‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 76‏]‏‏.‏

قيل‏:‏ إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِّمَّا يَجْمَعُونَ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المُرْدِيَ في الآخرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏أَرَءَيْتُم‏}‏‏:‏ مضمَّن معنى‏:‏ أَخْبِروني، و«ما» موصولة‏.‏

قال * ع *‏:‏ هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله‏:‏ ‏{‏أَنَزلَ‏}‏‏:‏ لفظةً فيها تجوُّز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 61‏]‏

‏{‏وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏60‏)‏ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏61‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب يَوْمَ القيامة‏}‏ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها؛ أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي‏:‏ ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة؛ بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان؛ إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تُعمُّ جميعَ فَضْل اللَّه سبحانَهُ، وجميعَ تَقْصير الخَلْقِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مَقْصِدُ هذه الآية وصْفُ إِحاطة اللَّه عزَّ وجلَّ بكلِّ شيء، لا ربَّ غيره، ومعنى اللفْظِ‏:‏ وما تكُونُ يا محمَّد، والمرادُ هو وَغَيْرُهُ في شأن من جميع الشؤون، ‏{‏وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ‏}‏‏:‏ الضمير عائدٌ على شَأْن أي‏:‏ فيه وبسببه «مِن قُرْآنٍ»، ويحتمل أنْ يعود الضميرُ على جميع القرآن‏.‏

وقال * ص *‏:‏ ضمير «منه» عائدٌ على «شأن» و‏{‏مِن قُرْآنٍ‏}‏‏:‏ تفسيرٌ للضمير‏.‏ انتهى‏.‏ وهو حَسَن، ثم عمَّ سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ‏}‏، وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا‏}‏ تحذيرٌ وتنبيهٌ‏.‏

* ت * وهذه الآية عظيمةُ المَوْقِعِ لأَهْل المراقبة تثيرُ من قلوبهم أسراراً، ويغترفون من بَحْر فيضها أنواراً، و‏{‏تُفِيضُونَ‏}‏ معناه‏:‏ تأخذون وتَنْهَضُون بِجِدٍّ، ‏{‏وَمَا يَعْزُبُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ وما يَغِيبُ ‏{‏عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ‏}‏ والكتابُ المُبينُ هو اللوحُ المحفوظُ، ويحتملُ ما كتبته الحَفَظَةُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 64‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏62‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏63‏)‏ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏64‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلآ إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةُ‏:‏ «أَلا» استفتاحٌ وتنبيهٌ، و‏{‏أَوْلِيَاءَ الله‏}‏‏:‏ هم المؤمنون الذينَ وَالوهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وهذه الآية يُعْطِي ظاهرُها أَنَّ مَنْ آمَنَ واتقَى اللَّه، فَهُوَ داخلٌ في أولياء اللَّه، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعةُ في الوَلِيِّ، ‏"‏ وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ سُئِلَ، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ «الَّذِينَ إِذَا رَأَيْتُهُمْ ذَكَرْتَ اللَّه» ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ * ع *‏:‏ هذا وصفٌ لازِمٌ للمتَّقِين؛ لأنهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِّعُونَ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أَنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَوْلِيَاءُ اللَّه قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وَاجْتَمَعُوا في ذَاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهُمْ قَرَابَةٌ وَلاَ مَالٌ يَتَعَاطَوْنَهُ ‏"‏ وروى الدارقطنيُّ في «سننه» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عِبَادِ اللَّهِ المَشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ العَيْبَ ‏"‏ انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ في الآخرةِ، ويحتملُ في الدنيا لا يخافُونَ أَحداً من أَهل الدنيا، ولا من أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأولُ أظهر، والعمومُ في ذلك صحيحٌ‏:‏ لاَ يَخَافُونَ في الآخرة جملةً، ولا في الدنيا الخَوْفَ الدُّنْيَوِيَّ‏.‏

وذكر الطبريُّ عن جماعة من العلماء مثْلَ ما في الحديثِ في الأولياء؛ أنهم هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَآهُمُ أَحَدٌ، ذَكَرَ اللَّهَ، وروي فيهم حديث؛ ‏"‏ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمْ قَوْمٌ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ وَيُجْعَلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهُمْ في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ لاَ يَخَافُونَ وَلاَ يَحْزَنُون ‏"‏ وروى عمر بن الخطاب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَاداً مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغبُطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ؛ لَمَكَانَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، قَالُوا‏:‏ وَمَنْ هُمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ، وَلا أَمْوَالٍ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديثَ، ثم قرأَ‏:‏ ‏{‏أَلآ إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏

* ت * وقد خرَّج هذا الحديثَ أبو داود والنسائيُّ، قال أبو داود في هذا الحديث‏:‏ فَوَاللَّهِ، إِنَّ وجوههم لَنُورٌ، وإِنهم لَعَلَى نُورٍ، ذكره بإِسنادٍ آخر‏.‏ انتهى‏.‏

ورواه أيضاً ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعريِّ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ يَأَيُّهَا النَّاسُ اسمعوا واعقلوا، واعلموا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً لَيْسُوا بَأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبُطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ‏:‏ انْعَتْهُمْ لَنَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ‏:‏ «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وتَصَافَوْا فيهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ لاَ يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ‏"‏‏.‏

انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُمُ البشرى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أَمَّا بشرَى الآخرة، فهي بالجنَّةِ؛ بلا خلاف قولاً واحداً، وذلك هو الفَضْل الكبير، وأَمَّا بُشْرَى الدنيا، فَتَظاهَرَت الأَحاديث من طرق، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهَا ‏"‏ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ ‏"‏، وقال قتادة والضَّحَّاك‏:‏ البُشْرَى في الدنيا‏:‏ هِيَ ما يُبَشَّرُ به المؤمنُ عِنْد موته، وهو حَيٌّ عند المعاينة، ويصح أنْ تكون بُشْرَى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشِّرات؛ ويقوَّى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله‏}‏، ويؤوَّل قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هِيَ الرُّؤْيَا» أنه أعطَى مثالاً يعمُّ جميع الناس‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ لا خُلْفَ لمواعيده، ولا رَدَّ في أمره، وقد أخذ ذلك ابنُ عُمَرَ علَى نحو غَيْرِ هذا، وجَعَلَ التبديلَ المنفيَّ في الألفاظ، وذلك أنَّه روي أَنَّ الحجاج خَطَبَ، فَقَالَ‏:‏ أَلاَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر قَدْ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ‏:‏ إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ابن الزُّبَيْرِ؛ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريُّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 66‏]‏

‏{‏وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏65‏)‏ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ قولُ قُرَيشٍ، فهذه الآية تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولفظةُ القولِ تعمُّ جحودَهُمْ واستزاءَهُمْ وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال ‏{‏إِنَّ العزة لِلَّهِ جَمِيعاً‏}‏ أي‏:‏ لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم استفتح بقوله‏:‏ ‏{‏أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض‏}‏ أي‏:‏ بالمُلْك والإِحاطة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ‏}‏‏:‏ يصح أنْ تكونَ «ما» استفهاما، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً‏.‏

* ت *‏:‏ ورجح هذا الثاني‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‏}‏ «إِنْ»‏:‏ نافيةٌ، و‏{‏يَخْرُصُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يَحْدِسُونَ وَيُخَمِّنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ‏(‏67‏)‏ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏68‏)‏ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع؛ لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفاً من هذا وطرفاً من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَسْمَعُونَ‏}‏ يريد‏:‏ يوعون، والضمير في ‏{‏قَالُواْ‏}‏ لكفَّارِ العرب، ثم الآية بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول؛ كالنَّصَارَى، و‏{‏سبحانه‏}‏ معناه‏:‏ «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك»؛ فسَّره بهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بهذا‏}‏ «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ‏:‏ الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإِنْ نُعِّمَ في دنياه يسيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏70‏)‏ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ‏(‏71‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏متاع‏}‏ مرفوعٌ على خبر ابتداء؛ أي‏:‏ ذلك متاعٌ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏متاع‏}‏ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل‏:‏ كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات‏؟‏‏!‏ فقيل‏:‏ ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف‏.‏ انتهى، وهذا الذي قدَّره‏.‏

* ص *‏:‏ يُفْهَمُ من كلام * ع *‏.‏

وقول نوح عليه السلام‏:‏ ‏{‏ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المَقَامُ‏:‏ وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-‏:‏ إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره‏:‏ وعظُه وزَجْره، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَجْمِعُواْ‏}‏‏:‏ من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه؛ ومنه الحديثُ‏:‏ ما لم يجمعْ مكثاً، و‏{‏أَمْرَكُمْ‏}‏‏:‏ يريد به‏:‏ قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر؛ كأنه قال‏:‏ وادعوا شَركَاءَكُمْ؛ فهو مِنْ باب‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا *** حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا

وفي مصحفِ أبيٍّ‏:‏ «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، وادعوا شُرَكَاءَكُمْ» قال الفارسيُّ‏:‏ وقد ينتصب «الشركاء» ب«واو مع»؛ كما قالوا‏:‏ جَاءَ البَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ ملتبساً مشكلاً؛ ومنه قوله عليه السلام في الهلال‏:‏ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أنفذوا قضاءكُمْ نَحْوِي، ولا تؤخِّروني، والنَّظِرَةُ‏:‏ التأخير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 75‏]‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏73‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏74‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ‏}‏‏:‏ مضَى شرح هذه المعاني‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين‏}‏‏:‏ مخاطبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يشاركُه في معناها جميعُ الخَلْق‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ‏}‏‏:‏ الضمير في ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ عائدٌ عَلى نوحٍ عليه السلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَاءُوهُمْ بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كذلك نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين * ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى وهارون إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ * بآياتنا فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ‏}‏‏:‏ معنى هذه الآية ضَرْبُ المثلِ لحاضِرِي نبِيِّنا محمَّد عليه السلام؛ ليعتبروا بمَنْ سلف، و‏{‏البينات‏}‏ المعجزاتُ، والضمائر في ‏{‏مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ وفي ‏{‏كَذَّبُواْ‏}‏ تعود الثلاثةُ على قوم الرسل، وقيل‏:‏ الضمير في كذَّبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدَّم تفسير نظيرها «في الأعراف»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 82‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏76‏)‏ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ‏(‏77‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏78‏)‏ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏79‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ‏(‏80‏)‏ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏81‏)‏ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ الآية‏:‏ يريد ب ‏{‏الحق‏}‏ آيَتَيِ العَصَا واليد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏‏:‏ قالت فرقة‏:‏ هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه؛ أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم‏:‏ قالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم‏:‏ بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة‏:‏ ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ‏:‏ أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ على جهة التوبيخ‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏لِتَلْفِتَنَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال‏:‏ لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ؛ إِذا أَلواه، ومنه قولهم‏:‏ التفت؛ فَإِنَّهُ افتعل مِنْ لَفَتَ عُنُقَهُ إِذَا أَلواه، و‏{‏الكبرياء‏}‏‏:‏ مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك؛ قاله أكثر المتأوِّلين؛ لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده‏:‏ «به آلسِّحْرُ»- بهمزةِ استفام ممدودةٍ-، وفي قراءة أُبيٍّ‏:‏ «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ»، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ؛ لأنه تقدَّم منكَّراً في قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَسَحِرٌ‏}‏، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ‏.‏

قال * ص *‏:‏ قال الفَّرَّاء‏:‏ إِنما قال‏:‏ «السِّحْر» ب «أَلْ»، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ ب «أَلْ»، وتبعه ابن عطية، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرةِ المُعَادة؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فعصى فِرْعَوْنُ الرسول‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 15، 16‏]‏ وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فاختلف مدلولُهما، والاستفهام هنا‏:‏ على سبيل التحقِيرِ‏.‏ انتهى‏.‏ وهو حَسَن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ‏}‏‏:‏ إِيجاب عن عِدَّةٍ من اللَّه تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون ابتداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتملُ أَنْ يكون من كلام موسَى عليه السلام، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَيُحِقُّ الله الحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، محتملٌ للوجهين، وكون ذلك كلُّه من كلام موسَى أقربُ، وهو الذي ذكر الطبريُّ، وأما قوله‏:‏ ‏{‏بكلماته‏}‏‏:‏ فمعناه بكلماته السابقةِ الأزليَّة في الوَعْد بذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 86‏]‏

‏{‏فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏83‏)‏ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ‏(‏84‏)‏ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏85‏)‏ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَا آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِمْ‏}‏ اختلف المتأوِّلون في عود الضمير الذي في ‏{‏قَوْمِهِ‏}‏، فقالتْ فرقة‏:‏ هو عائدٌ على موسَى، وذلك في أول مبعثه، وَمَلأُ الذُّرِّيَّةِ، هم أشرافُ بني إِسرائيل‏.‏

قال * ص *‏:‏ وهذا هو الظاهر، وقالت فرقةٌ‏:‏ الضميرُ في ‏{‏قَوْمِهِ‏}‏ عائدٌ على ‏{‏فِرْعَوْنَ‏}‏، وضمير ‏{‏مَلإِيْهِمْ‏}‏ عائدٌ على الذريَّة‏.‏

قال * ع *‏:‏ ومما يضعِّف عوْدَ الضميرِ علَى موسَى‏:‏ أَنَّ المعروفَ مِنْ أخبار بني إِسرائيل أنهم كانوا قوماً تقدَّمت فيهم النبوَّاتِ، ولم يُحفَظْ قطُّ أَنَّ طائفة من بَني إِسرائيل كَفَرَتْ به، فدَلَّ على أن الذريَّة مِنْ قوم فِرعون‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُم آمَنتُم بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا ابتداءُ حكايةِ قوْلِ موسَى لجماعةِ بني إِسرائيل؛ مُؤَنِّساً لهم، ونادباً إِلى التوكُّل على اللَّه عزَّ وجلَّ الذي بيده النصْرُ قال المُحَاسِبيُّ‏:‏ قُلْتُ لأبي جعفرٍ محمَّدِ بنِ موسَى‏:‏ إِنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يقول‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 23‏]‏ فما السَّبِيلُ إِلى هذا التوكُّل الذي نَدَبَ اللَّه إِلَيْهِ، وكيف دُخُولُ الناس فيه‏؟‏ قال‏:‏ إِن الناس متفاوِتُون في التوكُّل، وتوكُّلُهم علَى قَدْرِ إِيمانهم وقوَّةِ عُلُومهم، قُلْتُ‏:‏ فما معنى إِيمانهم‏؟‏ قال‏:‏ تصديقُهُم بمواعيدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وثِقَتُهُم بضَمَانِ اللَّه تبارَكَ وتعالَى، قلْتُ‏:‏ مِنْ أَيْنَ فَضَلَتِ الخاصَّة منهم على العامَّة، والتوكُّل في عَقْد الإِيمان مع كلِّ من آمن باللَّه عزَّ وجلَّ‏؟‏ قال‏:‏ إِنَّ الذي فَضَلَتْ به الخاصَّة على العامَّة دَوَامُ سكونِ القَلْب عن الاضطراب والهُدُوِّ عن الحرَكَة، فعندها، يا فَتَى، استراحوا من عذاب الحِرْصِ، وفُكُّوا مِنْ أُسْرِ الطمع، وأُعْتِقُوا من عُبُودِيَّة الدنيا، وأبنائِها، وحَظُوا بالرَّوْحِ في الدَّارَيْنِ جميعاً، فطوبَى لهم وحُسْنُ مَآب، قلْتُ‏:‏ فما الذي يولِّدُ هذا‏؟‏ قال‏:‏ حَالَتَانِ‏:‏

دَوَامُ لُزُومِ المعرفة، والاعتماد على اللَّه عزَّ وجلَّ، وتَرْكُ الحِيل‏.‏

والثانية‏:‏ الممارسَةُ حتى يَأْلَفَهَا إِلْفاً، ويختارها اختيارا، فيصير التوكُّل والهُدُوُّ والسكونُ والرضا والصبْرُ له شعاراً ودثاراً‏.‏ انتهى من «كتاب القَصْدِ إِلى اللَّه سبحانه»‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ لا تُنْزِلْ بنا بلاءً بأيديهم أو بغير ذلك مدَّةَ محاربتنا لهم؛ فَيُفْتَنُونَ لذلك، ويعتقدون صلاَحَ دينهم، وفَسَاد ديننا؛ قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاءُ على هذا التأويل يتضمَّن دفْعَ فصلين‏:‏

أحدُهما‏:‏ القَتْل والبلاء الذي توقَّعه المؤمنون‏.‏

والآخر‏:‏ ظُهُورُ الشَّرك باعتقاد أهله أنَّهم أَهْلُ الحَقِّ‏.‏

ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بِئْسَ المَيِّتُ أَبُو أُمَامَةَ» لأن اليَهُودَ وَالمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ‏:‏ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ‏.‏

ورَجَّحَ * ع * في «سورة الممتحنة‏:‏ 5» قولَ ابْنِ عباس‏:‏ إِن معنى‏:‏ ‏{‏لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏‏:‏ لا تسلِّطهم علينا؛ فيفتنونا؛ انظره هناك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 91‏]‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏87‏)‏ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏88‏)‏ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏89‏)‏ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏90‏)‏ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا‏}‏ رُوي‏:‏ أَن فرعون أَخَافَ بني إِسرائيل، وهدَّم لهم مواضعَ كانوا اتخذوها للصلاة، ونَحْو هذا، فأوحَى اللَّه إِلَى موسَى وهارون، أنْ تَبَّوءا أي‏:‏ اتخذا وتَخَيَّرا لبني إِسرائيل بمصْر بيوتاً، قال مجاهد‏:‏ مِصْر؛ في هذه الآية‏:‏ الإِسْكَنْدَرِيَّة، ومصْرُ ما بين أَسْوَان والإِسكندرية‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ مساجدُ، قاله ابنُ عباس وجماعة، قالوا‏:‏ خافوا، فأُمِرُوا بالصَّلاة في بيوتهم، وقيل‏:‏ معناه مُوجَّهة إِلى القبلة؛ قاله ابن عباس، ومنْ هذا حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ خَيْرُ بُيُوتِكُمْ مَا استقبل بِهِ القِبْلة ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة‏}‏‏:‏ خطابٌ لبني إِسرائيل، وهذا قبل نزول التوراة؛ لأَنها لم تَنْزِلْ إِلا بعد إِجازة البَحْر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ المؤمنين‏}‏‏:‏ أَمرٌ لموسَى عليه السلام، وقال الطبريُّ ومكيٌّ‏:‏ هو أَمرٌ لنبينا محمَّد عليه السلام، وهذا غير متمكِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا غضَبٌ من موسَى على القِبْطِ، ودعاءٌ عليهم، لمَّا عَتَوْا وعانَدوا، وقدَّم للدعاءِ تقريرَ نعِم اللَّه علَيْهم وكُفْرِهِم بها، و‏{‏ءاتَيْتَ‏}‏ معناه‏:‏ أَعْطَيْتَ، واللام في ‏{‏لِيُضِلُّواْ‏}‏ لام كَيْ، ويحتملُ أن تكون لامَ الصَّيْرورة والعَاقِبَةِ، المعنى‏:‏ آتيتهم ذَلكَ، فصار أمرهم إِلى كذا، وقرأ حمزة وغيره‏:‏ «لِيُضِلُّوا» ‏(‏بضم الياء‏)‏؛ على معنى‏:‏ لِيُضِلُّوا غيرهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اطمس على أموالهم‏}‏‏:‏ هو من طُمُوسِ الأَثْر والعين؛ وَطَمْسُ الوجوه منه، وتكْرير قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ استغاثة؛ كما يقول الداعي‏:‏ يا اللَّه، يا اللَّه، روي أنهم حين دعا موسَى بهذه الدعوة، رَجَعَ سُكَّرُهُمْ حجارةً، ودراهِمُهم ودنانيرهم وحُبُوبُ أطعمتهم، رَجَعَتْ حجارةً؛ قاله قتادة وغيره، وقال مجاهد وغيره‏:‏ معناه‏:‏ أهْلِكْها ودَمِّرها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واشدد على قُلُوبِهِمْ‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ اطبع واختم عليهم بالكفر؛ قاله مجاهدٌ والضَّحَّاك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُواْ‏}‏‏:‏ مذهب الأخفش وغيره‏:‏ أنَّ الفعل منصوب؛ عطفاً على قوله‏:‏ ‏{‏لِيُضِلُّواْ‏}‏، وقيل‏:‏ منصوبٌ في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي‏:‏ هو مجزومٌ على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهايةً وغايةً؛ وذلك لِعِلْمه من اللَّه أنَّ المؤمن عند رؤية العَذَاب لا ينفعه إِيمانه في ذلك الوَقْت، ولا يُخْرِجُهُ من كُفْره، ثم أجاب اللَّه دعوتهما، قال ابن عباس‏:‏ العَذَاب هنا‏:‏ الغَرَقُ، وروي أن هارون كان يُؤْمِّنُ على دعاء موسَى؛ فلذلك نَسَب الدعوة إليهما؛ قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، قال البخاريُّ‏:‏ ‏{‏وَعَدْوًا‏}‏‏:‏ من العُدْوان‏.‏ انتهى‏.‏

وقول فرعون‏:‏ ‏{‏آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ‏:‏ مَا أَبْغَضْتُ أَحَداً قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ‏:‏ ‏{‏ءامَنتُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيَةَ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ، فَمَلأْتُ فَمَهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ ‏"‏

، وفي بعض الطرق‏:‏ «مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَتَلْحَقُهُ الرَّحْمَة

»‏.‏ قال * ع *‏:‏ فانظر إِلى كلام فرعون، ففيه مَجْهَلَةٌ وَتَلَعْثُمٌ، ولاَ عُذْرَ لأحد فِي جَهْلِ هذا، وإِنما العذر فيما لا سبيلَ إِلى علمه، كقول عليٍّ رضي اللَّه عنه‏:‏ أَهْلَلْتُ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والحَالُ‏:‏ الطِّينُ، والآثار بهذا كثيرةٌ مختلفة الألفاظِ، والمعنَى واحدٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ‏}‏، وهذا عَلى جهة التوبيخ له، والإِعلان بالنقمةِ منه، وهذا الكلامُ يحتملُ أن يكونَ مِنْ مَلَكٍ مُوَصِّلٍ عن اللَّه، أَو كيف شاء اللَّه، ويحتملُ أَنْ يكون هذا الكلامُ معنَى حاله وصورةَ خِزْيه، وهذه الآيةُ نصٌّ في رَدِّ توبةِ المُعَايِنِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 93‏]‏

‏{‏فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ‏(‏92‏)‏ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يقوِّي أنه صورةُ حاله؛ لأن هذه الألفاظ إِنما يظهر أنها قِيلَتْ بعد غَرَقِهِ، وسببُ هذه المقالة؛ على ما روي‏:‏ أن بني إِسرائيل بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهلاكُه، لِعِظَمِهِ في نُفُوسهم، وكَذَّبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يكونَ فِرْعَوْنُ يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتاً؛ كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه‏.‏

والجمهور على تشديدِ ‏{‏نُنَجِّيكَ‏}‏؛ فقالت فرقة‏:‏ معناه‏:‏ من النَّجَاةِ، أي‏:‏ من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة‏:‏ معناه‏:‏ نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي‏:‏ ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله‏:‏ ‏{‏بِبَدَنِكَ‏}‏ قالت فرقة‏:‏ معناه‏:‏ بشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة‏:‏ معناه‏:‏ بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ‏:‏ «خَلْفَكَ» أي‏:‏ من أَتَى بعدك، وقرئ شاذًّا‏:‏ «لِمَنْ خَلَفَكَ»- بفتح اللام-، والمعنى‏:‏ ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطيبات فَمَا اختلفوا حتى جَاءَهُمُ العلم‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ ولقد اخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ اختيار، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلٍّ، و‏{‏مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ؛ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل‏:‏ بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَا اختلفوا‏}‏ أيْ‏:‏ في نبوَّة نبينا محمَّد عليه السلام، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ‏:‏ أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم‏.‏

* ت *‏:‏ فَرَّ رحمه اللَّه من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم اختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله‏:‏ ‏{‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ‏}‏، فالربطُ بين الآيتين واضحٌ، واللَّهُ أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 97‏]‏

‏{‏فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏94‏)‏ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏95‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏96‏)‏ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الصوابُ في معنى الآية‏:‏ أنها مخاطبةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض‏.‏

* ت *‏:‏ ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال‏:‏ حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال‏:‏ حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال‏:‏ حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏ المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ ‏"‏، قال عِيَاض في «الشفا»‏:‏ تأول بمعنى «الشك»، وبمعنى «الجِدَال»‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ‏}‏‏:‏ من أسلم من أهْلِ الكتاب، كابن سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية‏:‏ «أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ»، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ‏}‏، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ‏}‏ يريد به‏:‏ من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ عَلَيْه السلام؛ هذا قول أهل التأويل قاطبة‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الكتاب، ويَحتملُ اللفظُ أَنْ يريد ب ‏{‏مَا أَنزَلْنَا‏}‏ جميعَ الشرع‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد استبعده * ع *‏:‏ ويكون المراد ب ‏{‏مَا أَنزَلْنَا‏}‏‏:‏ مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته عليه السلام، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم؛ كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 111‏]‏، فتأمَّله، واللَّه أعلم‏.‏

وأما قوله‏:‏ هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ‏:‏ واختلف في معنى الآية، فقيلَ‏:‏ المرادُ‏:‏ قُلْ يا محمَّد للشاكِّ‏:‏ ‏{‏إِن كُنتَ فِي شَكٍّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قالوا‏:‏ وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏يونس‏:‏ 104‏]‏، ثم قال عياضٌ‏:‏ وقيل‏:‏ إِن هذا الشكَّ‏:‏ الذي أُمِرَ غَيْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مما خوطِبَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والمراد سواه‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ؛ لأنه إِذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ‏}‏ إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان؛ كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 100‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ‏(‏98‏)‏ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏99‏)‏ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ مسعودٍ‏:‏ «فَهَلاَّ»، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية‏:‏ فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذا الحال، ثم استثنى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ استثناء منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره‏:‏ ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ‏:‏ أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي‏:‏ تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه؛ أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا‏:‏ هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فارقبوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ارتحل عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس‏:‏ علَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم، وروي‏:‏ على مِيلٍ، وقال ابن جبير‏:‏ غشيهمُ العذابُ؛ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال‏:‏ كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضباً؛ كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ‏.‏

* ت *‏:‏ وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، ‏{‏وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس كانوا ب«نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ أفأنْتَ تكره الناس بإِدخالِ الإِيمَانِ في قُلُوبهم، واللَّه عَزَّ وجلَّ قد شاء غَيْرَ ذلك، و‏{‏الرجس‏}‏ هنا بمعنى العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 103‏]‏

‏{‏قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏101‏)‏ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏102‏)‏ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏103‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلِ انظروا مَاذَا فِي السموات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية أمْر للكفَّار بالاعتبار والنَّظَرِ في المصْنُوعات الدالَّة على الصَّانع من آيات السموات وأفلاكِها وكواكِبِها وسحابِها ونَحْوِ ذلك، والأرْضِ ونباتِهَا ومعادِنِها وغيرِ ذلك، المعنى‏:‏ انظروا في ذلك بالواجب، فهو يُنْهِيكُمْ إِلى المعرفة باللَّه وبوَحْدَانيته، ثم أخبر سبحانه أنَّ الآيات والنُّذُرَ- وهم الأنبياء- لا تُغْنِي إِلا بمشيئته؛ ف «مَا»؛ على هذا‏:‏ نافيةٌ، ويجوز أن تكون استفهاما في ضمنه نَفْيُ وقوعِ الغِنَى، وفي الآية على هذا‏:‏ توبيخٌ لحاضِرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال * ص *‏:‏ و‏{‏النذر‏}‏‏:‏ جمع نذيرٍ، إِما مصدرٌ بمعنى الإِنذارات، وإِما بمعنى مُنْذِرٍ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وعيدٌ إِذَا لَجُّوا في الكُفْرِ، حل بهم العذاب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ عادةُ اللَّه سَلَفَتْ بإِنجاء رسله ومتَّبعيهم عند نزولِ العذاب بالكَفَرَةِ ‏{‏كذلك حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين‏}‏‏.‏

قال * ص *‏:‏ أي‏:‏ مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نجينا الرسُلَ ومؤمنيهم نُنْجِي من آمن بك‏.‏ انتهى، وخط المُصْحف في هذه اللفظة «نُنْجٍ» بجيم مطلقة دون ياء، وكلهم «قرأ نُنجِّ»- مشددة الجيم- إِلا الكسائيَّ وحفصاً عن عاصم؛ فإِنهما قرآ بسكون النونِ وتخفيفِ الجيم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 107‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏104‏)‏ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏105‏)‏ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏106‏)‏ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏107‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي‏:‏ اجعل طريقك واعتمالك للدِّين والشرْعِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين * وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قد تقدَّم أن ما كان مِنْ هذا النوع، فالخِطَابُ فيه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ غيره‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، وال ‏{‏ضُرُّ‏}‏ لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ‏}‏ لفظ تامُّ العموم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 109‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏108‏)‏ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏109‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ‏}‏‏:‏ هذه مخاطبةٌ لجميع الكفَّار ومستمرَّةٌ مدَى الدهْرِ، و‏{‏الحق‏}‏‏:‏ هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏}‏‏:‏ منسوخَةٌ بالقتَالِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين‏}‏‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏حتى يَحْكُمَ الله‏}‏‏:‏ وعدٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضاً بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمَّدٍ وعلَى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليماً‏.‏

سورة هود

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ‏(‏1‏)‏ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏(‏2‏)‏ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ‏(‏3‏)‏ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياته‏}‏ أي‏:‏ أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه عليه السلام في أزمنةٍ مختلفةٍ؛ ف «ثُمَّ» على بابها، فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه باشتراك‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏ثُمَّ فُصِّلَتْ‏}‏‏:‏ «ثُمَّ» لترتيب الأخبار؛ لا لترتيب الوقوع في الزمان، و‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بمعنى‏:‏ «عند»‏.‏ انتهى‏.‏

قال الداووديُّ‏:‏ وعن الحسن‏:‏ ‏{‏أُحْكِمَتْ ءاياته‏}‏‏:‏ قَالَ‏:‏ أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه‏:‏ فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ‏.‏ انتهى‏.‏ وقدَّم ال ‏{‏نَذِيرٌ‏}‏؛ لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمُّ‏.‏ ‏{‏وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ‏}‏، أي‏:‏ اطلبوا مغفرتَهُ؛ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام، ‏{‏ثُمَّ تُوبُواْ‏}‏ من الكُفْرِ ‏{‏يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا‏}‏، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ؛ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا، ‏{‏وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ‏}‏، أي‏:‏ كلَّ ذي إِحسان ‏{‏فَضْلَهُ‏}‏، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من «فَضْلِهِ» على «ذي فضل» أي‏:‏ ثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أي‏:‏ يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ، ‏{‏وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ‏}‏، أي‏:‏ فقُلْ‏:‏ إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 8‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏5‏)‏ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏6‏)‏ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قيل‏:‏ إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إِذا لقيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم؛ كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل‏:‏ هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ عليه، فمعنى الآية‏:‏ أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستُّر، يعلَمُ ما يُسرُّون، و‏{‏يَسْتَغْشُونَ‏}‏‏:‏ معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً‏.‏

قال * ص *‏:‏ قرأ الجمهور‏:‏ «يَثْنُونَ»- بفتح الياء-؛ مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً‏:‏ طَوَاهُ‏.‏ انتهى، وقرأ ابن عبَّاس وجماعة‏:‏ «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ»- بالرفْعِ-؛ على وزن «تَفْعَوْعِلُ»، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة‏.‏ أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم؛ كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء‏.‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر‏:‏ صُلْب الأبِ، و«المستودَعُ»‏:‏ بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِي كتاب‏}‏‏:‏ إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ اللام متعلِّقة ب«خَلَقَ» وقيل‏:‏ بفعلٍ محذوفٍ، أي‏:‏ أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى‏.‏

‏{‏وَلَئِن قُلْتَ‏}‏‏:‏ اللام في «لَئِنْ»‏:‏ مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في ‏{‏لَيَقُولَنَّ‏}‏ لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ تناقُضٌ منهم؛ لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السموات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السموات والأرضِ، أكْبَرُ من خَلْقِ الناس‏.‏

‏{‏وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب‏}‏، أي‏:‏ المتوعَّد به ‏{‏إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ‏}‏، أي مدَّةٍ معدودة ‏{‏لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ‏}‏، أي‏:‏ ما هذا الحابسُ لهذا العذاب؛ على جهة التكذيب، ‏{‏وَحَاقَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ حَلَّ وأحاطَ‏.‏ البخاريُّ‏:‏ حاق‏:‏ نَزَلَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 13‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ‏(‏9‏)‏ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ‏(‏10‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ‏(‏12‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «الرحمة» هنا‏:‏ تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعومٍ وملبوسٍ وجَاهٍ وغيرِ ذلك، و‏{‏الإنسان‏}‏ هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى‏:‏ إِن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم استثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، و‏{‏كَفُورٌ‏}‏ هنا‏:‏ مِنْ كُفْر النعمة، وال ‏{‏نَعْمَاءَ‏}‏‏:‏ تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، وال ‏{‏ضَرَّاءَ‏}‏‏:‏ من الضُّرِّ، وهو أيضاً شاملٌ؛ ولفظة ‏{‏ذَهَبَ السيئات عَنِّي‏}‏‏:‏ يقتضي بطَراً وجهلاً أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، و‏{‏السيئات‏}‏ هنا‏:‏ كلُّ ما يسوء في الدنيا، والْ ‏{‏فَرِح‏}‏؛ هنا‏:‏ مطلق؛ فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ انهمال النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحاً إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين صَبَرُواْ‏}‏‏:‏ استثناء متصلٌ؛ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ؛ وهو الصواب، ومَنْ قال‏:‏ إِنه مخصوصٌ بالكافر قال‏:‏ هاهنا الاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ؛ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ؛ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان واستثنى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ‏}‏‏:‏ سَببُ هذه الآية‏:‏ أَنَّ كفَّار قريش قالوا‏:‏ يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك واتبعناك، وقالوا له‏:‏ ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان‏.‏

قال * ص، وع *‏:‏ وعبَّر ب ‏{‏ضَآئِقٌ‏}‏ وإِن كان أقلَّ استعمالا من «ضَيِّقٍ» لمناسبة ‏{‏تَارِكٌ‏}‏؛ ولأن ‏{‏ضَآئِقٌ‏}‏ وصفٌ عارضٌ؛ بخلاف «ضيق»؛ فإِنه يدل على الثبوت، والصَّالحُ هنا الأولُ بالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» و‏{‏أَن يَقُولُواْ‏}‏ أي‏:‏ كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ‏}‏، أي‏:‏ هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افتراه‏}‏‏:‏ «أم» بمعنى‏:‏ «بل»، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس‏:‏ هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ؛ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس»، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏‏:‏ يريد في أَنَّ القُرآن مفترًى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 21‏]‏

‏{‏فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏14‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ‏(‏15‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏17‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏18‏)‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏19‏)‏ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ‏(‏20‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ‏}‏، لهذه الآية تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم للكفَّار، أي‏:‏ ويكون ضميرُ ‏{‏يَسْتَجِيبُواْ‏}‏؛ على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله؛ على هذا ‏{‏فاعلموا‏}‏ بمعنى‏:‏ دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏‏:‏ هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قالت قتادةُ وغيره‏:‏ هي في الكَفَرة، وقال مجاهد‏:‏ هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين‏.‏

وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ؛ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه»‏:‏ بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيانٌ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّمَا الأَعمْالُ بِالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امرئ مَا نَوَى ‏"‏، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل‏:‏ إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حم عسق»‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 20‏]‏ الآية إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ»، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏الإِسراء‏:‏ 18‏]‏، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم‏:‏ «مَاذَا عَمِلْتَ‏؟‏» ثم قال في آخر الحديث‏:‏ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُكْبَتَيَّ، وَقَالَ‏:‏ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا‏}‏، أي‏:‏ في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم‏.‏ انتهى‏.‏

و ‏{‏حَبِطَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال‏.‏

قال * ص *‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مَا صَنَعُواْ‏}‏‏:‏ «ما» بمعنى‏:‏ «الَّذِي»، أو مصدريةٌ، و«فيها»‏:‏ متعلِّقٌ ب «حَبِطَ»، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي‏:‏ ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب «صَنَعُوا»؛ فيكون عائداً على الدنيا‏.‏ انتهى‏.‏

و«ال ‏{‏بَاطِلٌ‏}‏‏:‏ كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ‏}‏‏:‏ في الآية تأويلات‏.‏

قال * ع *‏:‏ والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية‏:‏ أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أوْ لهم وللنبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم، وال ‏{‏بَيِّنَةً‏}‏‏:‏ القرآن وما تضمَّن، وال ‏{‏شَاهِدٌ‏}‏‏:‏ الإِنجيلُ، يريد‏:‏ أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل‏:‏ إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى‏؟‏، فالجوابُ‏:‏ أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ؛ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك؛ لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ‏:‏

‏{‏إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 30‏]‏ والأحزاب؛ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسَى الأَشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار ‏"‏، قال سعيدٌ‏:‏ فقلْتُ‏:‏ أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ‏؟‏ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ حَديثاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وقرأ الجمهورُ‏:‏ «فِي مِرْيَةٍ»- بكسر الميم-، وهو الشكُّ، والضمير في «منه» عائدٌ على كون الكَفَرة موعدُهُم النَّارُ، وسائر الآية بيِّن‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الأشهاد‏}‏‏:‏ قالت فرقة‏:‏ يُريدُ الشهداءَ مِنَ الأنبياء والملائكةِ، وقالت فرقة‏:‏ الأشهادُ‏:‏ بمعنى المشاهِدِينَ، ويريد جميعَ الخلائق، وفي ذلك إِشادةٌ بهم وتشهيرٌ لخزيهم، وروي في نحو هذا حديثٌ‏:‏ «أَنَّهُ لاَ يُخْزَى أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ المَحْشَرَ»، وباقي الآية بيِّن مما تقدَّم في غيرها‏.‏

قال * ص *‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين‏}‏ يحتملُ أنْ يكون داخلاً في مفعولِ القولِ، وإِليه نحا بعضُهم‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانَهُ‏:‏ ‏{‏مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ‏}‏‏:‏ يَحْتَمِلُ وجوهاً‏:‏

أَحدُها‏:‏ أَنه وصف سبحانه هؤلاء الكُفَّار بهذه الصفة في الدنيا؛ علَى معنى أَنَّهم لا يسمعون سماعاً ينتفعُونَ به، ولا يبصُرونَ كذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أنْ يكون وصفهم بذلك مِنْ أَجْلِ بِغْضَتِهِمْ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعُونَ أَنْ يحملوا نفُوسَهم على السَّمْعِ منه، والنَّظَرِ إِليه‏.‏

«وَمَا»؛ في هذين الوجهين‏:‏ نافيةٌ‏.‏

الثالث‏:‏ أنْ يكون التقديرُ‏:‏ يضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا، أيْ‏:‏ بسبب ما كانوا؛ ف «مَا» مصدريةٌ، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 24‏]‏

‏{‏لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ‏(‏22‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏23‏)‏ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الأخسرون * إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبِّهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏لاَ جَرَمَ‏}‏ تقدم بيانها، ‏{‏وَأَخْبَتُواْ‏}‏‏:‏ قال قتادة‏:‏ معناه‏:‏ خشعوا، وقيل‏:‏ معناه أنابوا؛ قاله ابن عباس، وقيل‏:‏ اطمأنوا؛ قاله مجاهد وقيل‏:‏ خافوا؛ قاله ابن عباس أيضاً، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الفريقين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، «الفريقان» الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 27‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏25‏)‏ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ‏(‏26‏)‏ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ* فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و«الأراذل» جَمْعُ الجمعِ، فقيل‏:‏ جمع أَرْذُلٍ، وقيل‏:‏ جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور‏:‏ «بَادِيَ الرَّأْي»- بباء دون همز-؛ من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق «بَادِيَ الرَّأْي» ب «نَرَاكَ»، أي‏:‏ وما نراك بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله‏:‏ «اتبعك»، أيْ‏:‏ وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله‏:‏ ‏{‏بَادِيَ الرأي‏}‏ معنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ أَنْ يريدوا‏:‏ اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك‏.‏

والثاني‏:‏ أن يريدوا‏:‏ اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت‏.‏

ويحتملُ أنْ يكون قولهم‏:‏ ‏{‏بَادِيَ الرأي‏}‏ وصْفاً منهم لنوحٍ، أي‏:‏ تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل «بَشَر»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 34‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ‏(‏29‏)‏ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏30‏)‏ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏32‏)‏ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏33‏)‏ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ كأنه قال‏:‏ أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال‏:‏ قال كذا وكذا؛ إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله‏:‏ ‏{‏على بَيِّنَةٍ‏}‏ أي‏:‏ على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور‏:‏ «فَعَمِيَتْ» ولذلك وجهان من المعنَى‏:‏

أحدهما‏:‏ خَفِيَتْ‏.‏

والثاني‏:‏ أَنْ يكون المعنَى‏:‏ فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنُلْزِمُكُمُوهَا‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ إِلزامَ جبر؛ كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمَنُواْ‏}‏‏:‏ يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحَتْ قريشٌ، و‏{‏تَزْدَرِي‏}‏‏:‏ أصله‏:‏ تَزْتَرِي؛ تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى‏:‏ ‏{‏تَزْدَرِي‏}‏‏:‏ تحتقر، و«الخير»؛ هنا‏:‏ يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال؛ وقد قال بعضُ المفسِّرين‏:‏ حيثُ ما ذَكَرَ اللَّه الخيرَ في القرآن، فهو المَالُ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال‏:‏ إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب‏:‏ أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏ فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه‏:‏ ‏{‏وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 77‏]‏، وانظر قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ ‏"‏، وقَوْلُهُ تعالَى‏:‏ ‏{‏إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 33‏]‏، فهاهنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ؛ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَرَكَ خَيْرًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 180‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ‏}‏‏:‏ تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين‏:‏ هي ردٌّ على قولهم‏:‏ اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم؛ حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنِّي إِذاً‏}‏ لو فعلت ذلك، ‏{‏لَّمِنَ الظالمين‏}‏، وقولهم‏:‏ ‏{‏قَدْ جَادَلْتَنَا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم‏:‏ ‏{‏بِمَا تَعِدُنَا‏}‏ العذابَ والهلاكَ، ‏{‏وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ‏}‏، أي‏:‏ بمفلتين‏.‏